أبي بكر الكاشاني
110
بدائع الصنائع
المساجد فاما الامساك عن الأكل والشرب فليس بشرط وروى الحسن عن أبي حنيفة انه شرط واختلاف الرواية فيه مبنى على اختلاف الرواية في اعتكاف التطوع انه مقدر بيوم أو غير مقدر ذكر محمد في الأصل انه غير مقدر ويستوى فيه القليل والكثير ولو ساعة وروى الحسن عن أبي حنيفة انه مقدر بيوم فلما لم يكن مقدرا على رواية الأصل لم يكن الصوم شرطا له لأن الصوم مقدر بيوم إذ صوم بعض اليوم ليس بمشروع فلا يصلح شرطا لما ليس بمقدر ولما كان مقدرا بيوم على رواية الحسن فالصوم يصلح أن يكون شرطا له والكلام فيه يأتي في موضعه وعلى هذا يخرج ما إذا قال لله على أن اعتكف يوما انه يصح نذره وعليه أن يعتكف يوما واحدا بصوم والتعيين إليه فإذا أراد أن يؤدى يدخل المسجد قبل طلوع الفجر فيطلع الفجر وهو فيه فيعتكف يومه ذلك ويخرج منه بعد غروب الشمس لان اليوم اسم لبياض النهار وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فيجب أن يدخل المسجد قبل طلوع الفجر حتى يقع اعتكافه في جميع اليوم وإنما كان التعيين إليه لأنه لم يعين اليوم في النذر ولو قال لله على أن اعتكف ليلة لم يصح ولم يلزمه شئ عندنا لأن الصوم شرط صحة الاعتكاف فالليل ليس بمحل للصوم ولم يوجد منه ما يوجب دخوله في الاعتكاف تبعا فالنذر لم يصادف محله وعند الشافعي يصح لأن الصوم عنده ليس بشرط لصحة الاعتكاف وروى عن أبي يوسف انه ان نوى ليلة بيومها لزمه ذلك ولم يذكر محمد هذا التفصيل في الأصل فاما ان يوفق بين الروايتين فيحمل المذكور في الأصل على ما إذا لم تكن له نية واما أن يكون في المسألة روايتان وجه ما روى عن أبي يوسف اعتبار الفرد بالجمع وهو ان ذكر الليالي بلفظ الجمع يكون ذكرا للأيام كذا ذكر الليلة الواحدة يكون ذكر اليوم واحد والجواب ان هذا اثبات اللغة بالقياس ولا سبيل إليه فلو قال لله على أن اعتكف ليلا ونهارا لزمه ان يعتكف ليلا ونهارا وان لم يكن الليل محلا للصوم لان الليل يدخل فيه تبعا ولا يشترط للتتبع ما يشترط للأصل ولو نذر اعتكاف يوم قد أكل فيه لم يصح ولم يلزمه شئ لان الاعتكاف الواجب لا يصح بدون الصوم ولا يصح الصوم في يوم قد أكل فيه وإذا لم يصح الصوم لم يصح الاعتكاف ولو قال لله على أن اعتكف يومين ولا نية له يلزمه اعتكاف يومين بليلتيهما وتعيين ذلك إليه فإذا أراد ان يؤدى يدخل المسجد قبل غروب الشمس فيمكث تلك الليلة ويومها ثم الليلة الثانية ويومها إلى أن تغرب الشمس ثم يخرج من المسجد وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف الليلة الأولى لا تدخل في نذره وإنما تدخل الليلة المتخللة بين اليومين فعلى قوله يدخل قبل طلوع الفجر وروى عن ابن سماعة ان المستحب له ان يدخل قبل غروب الشمس ولو دخل قبل طلوع الفجر جاز وجه قوله إن اليوم في الحقيقة اسم لبياض النهار الا ان الليلة المتخللة تدخل لضرورة حصول التتابع والدوام ولا ضرورة في دخول الليلة الأولى بخلاف ما إذا ذكر الأيام بلفظ الجمع حيث يدخل ما بإزائها من الليالي لان الدخول هناك للعرف والعادة كقول الرجل كنا عند فلان ثلاثة أيام ويريد به ثلاثة أيام وما بإزائها من الليالي ومثل هذا العرف لم يوجد في التثنية ولهما ان هذا العرف أيضا ثابت في التثنية كما في الجمع يقول الرجل كنا عند فلان يومين ويريد به يومين وما بإزائهما من الليالي ويلزمه اعتكاف يومين متتابعين لكن تعيين اليومين إليه لأنه لم يعين في النذر ولو نوى يومين خاصة دون ليلتيهما صحت نيته ويلزمه اعتكاف يومين بغير ليلة لأنه نوى حقيقة كلامه وهو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق لأنه ليس في لفظه ما يدل على التتابع واليومان متفرقان لتخلل الليلة بينهما فصار الاعتكاف ههنا كالصوم فيدخل في كل يوم المسجد قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس وكذا لو قال لله على أن اعتكف ثلاثة أيام أو أكثر من ذلك ولا نية له انه يلزمه الأيام مع لياليهن وتعيينها إليه لكن يلزمه مراعاة صفة التتابع وان نوى الأيام دون الليالي صحت نيته لما قلنا ويلزمه اعتكاف ثلاثة أيام بغير ليلة وله خيار التفريق لان القربة تعلقت بالأيام والأيام متفرقة فلا يلزمه التتابع الا بالشرط كما في الصوم ويدخل كل يوم قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس ثم يخرج ولو قال لله على أن اعتكف ليلتين ولا نية له يلزمه اعتكاف ليلتين مع يوميهما وكذلك لو قال ثلاث ليال أو أكثر من ذلك من الليالي ويلزمه متتابعا لكن التعيين إليه لما قلنا ويدخل المسجد قبل